ابن رشد

191

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 307 ] وأبو حامد يقول إن مثال من يشرك سببا من الأسباب مع اللّه تعالى في اسم الفاعل والفعل مثال من يشرك في فعل الكتابة القلم مع الكاتب ، أعني أن يقول : إن القلم كاتب ، وأن الإنسان كاتب . أي كما أن اسم الكتابة مقول باشتراك الاسم عليهما ، أعني أنهما معنيان لا يشتركان إلا في اللفظ فقط ، وهما في أنفسهما في غاية التباين ، كذلك الأمر في اسم الفاعل إذا أطلق على اللّه تبارك وتعالى ( 65 / ظ ) وإذا أطلق على سائر الأسباب . [ 308 ] ونحن نقول : إن في هذا التمثيل تسامحا . وإنما كان يكون التمثيل بيّنا لو كان الكاتب هو المخترع لجوهر القلم ، والحافظ له ما دام قلما ، ثم الحافظ للكتابة بعد الكتب ، والمخترع لها عند اقتران القلم به ، على ما سنبينه بعد من أن اللّه تعالى هو المخترع لجواهر جميع الأشياء التي تقترن بها أسبابها ، التي جرت العادة أن يقال إنها أسباب لها . [ 309 ] فهذا الوجه المفهوم من أنه لا فاعل إلا اللّه هو مفهوم يشهد له الحس والعقل والشرع . أما الحس والعقل فإنه يرى أن هاهنا أشياء تتولد عنها أشياء ، وأن النظام الجاري في الموجودات إنما هو من قبل أمرين : أحدهما ما ركب الله فيها من الطبائع والنفوس . الثاني من قبل ما أحاط بها من الموجودات من خارج . [ 310 ] وأشهر هذه هي حركات الأجرام السماوية ، فإنه يظهر أن الليل والنهار والشمس والقمر وسائر النجوم مسخرات لنا ، وأنه لمكان النظام والترتيب الذي جعله الخالق في حركاتها ، كان وجودنا ووجود ما هاهنا محفوظا بها ، حتى إنه لو توهم ارتفاع واحد منها ، أو توهم في غير موضعه ، أو على غير قدره ، أو في غير السرعة التي جعل اللّه فيه ، لبطلت الموجودات التي على وجه الأرض . وذلك بحسب ما جعل اللّه في طباعها من ذلك وجعل في طباع ما هاهنا أن تتأثر عن تلك . وذلك ظاهر جدا في الشمس والقمر ، أعني تأثيرهما فيما هاهنا ، وذلك بين في المياه والرياح والأمطار والبحار ، وبالجملة في الأجسام المحسوسة . وأكثر ما يظهر ضرورة وجودها في حياة النبات وفي كثير من الحيوان بل في جميع الحيوان بأسره .